إخوان الصفاء
236
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل وإذ قد وجدنا من وجود هذه الدوائر في جسم الإنسان بما وصفناه من دائرته وثباته من تركيب بنيته ، فلنذكر ما بوجد من ذلك في دائرة الحيوان التي هي تحت دائرة الإنسان . واعلم أيها الأخ أن الحيوان منه ما هو حسن الصورة مليح الأفعال حسن الأعمال ، ثم ما دون ذلك حتى ينتهي إلى أقبحه في المنظر وشرّه في المخبر ، وهو دوائر بعضها في جوف بعض ، ودرجات ومنازل . والأنفس التي فيها تعمل أعمالا مثل ما تعمل الروحانيات في عالم الأفلاك وسكان السماوات ، فما حسنت صورته وأطاعت روحه ، وخدمت الأنفس الإنسانية وكان ساجدا لها ، فهو يجوز أن يلحق بها في تفضيلها ومنزلته من دائرته كمنزلة الملائكة من عالم الأفلاك ، والسماوات الساجدة لربها ، وكمنزلة الملوك والرؤساء من عالم الإنسان . وما قبحت صورته وعصى على الأنفس الإنسانية كان مثل إبليس العاصي المعتدي المستكبر على النبي في زمانه والحكيم في أوانه ، مثل فرعون وهامان وقارون ، وكل من ظلم وتعدّى وأخذ ما ليس له بحق وارتكب النّهي وخالف الأمر وأصرّ ولم يتب . وكذلك النبات أيضا يوجد فيه مثل ذلك ، منه ما هو مليح زهره طيّب ريحه وثمرته ، باسق فرعه زكيّ أصله ونفعه ظاهر ، ومنه ما هو بالعكس من ذلك . وكذلك المعادن أيضا منها الرفيع في قدره ، الحسن في منظره مثل الذهب والفضة ، وما دون ذلك حتى ينتهي إلى ما ينتفع به كمنفعة غيره مما تقدم ذكره . وإذا كان ذلك كذلك فقد صح أن الخلقة بأجمعها والفطرة بأسرها أفلاك حائطة ودوائر جامعة محيطة بعضها ببعض ، مربوطة بعضها ببعض ، وأن العالم